الأحد، 16 مايو، 2010

«كامب ديفيد».. نار في هشيم العرب

«كامب ديفيد».. نار في هشيم العرب

http://lazeeez.com/articles/src1238051593.jpg



خصصت دار الأرشيف القومي البريطانية الملف «FCO 8/3290» بالعرض والتعليق لردّات الفعل العربية تجاه معاهدة كامب ديفيد، وردّة فعل الرئيس المصري أنور السادات بدوره على مواقف الدول العربية. وعلى خلفية «قمة بغداد»، وهي القمة العربية التاسعة التي التأمت من 2 إلى 5 نوفمبر 1978، يلقي الملف أضواءه بشكل خاص على مواقف الدول النفطية مثل المملكة العربية السعودية والكويت وقطر، بينما يُهمل إلى حدّ كبير مواقف دول «جبهة الرفض». ومردّ هذا على الأرجح هو أن هذه الأخيرة، على عكس الدول النفطية، لم تترك في رفضها القاطع لكامب ديفيد مجالا يذكر للتحركات الدبلوماسية وأنها، تجاريا على الأقل، لا تهم الدبلوماسية البريطانية بالمعيار نفسه.

«الخليج» يُقاطع مصر

وأشار السفير البريطاني في الكويت، إس. كيمبريدج في رسالة بتاريخ 24 أبريل 1979 بعث بها إلى وزارة الخارجية في لندن، إلى أن الخارجية الكويتية أصدرت ظهر أمس بيانا جاء فيه أن حكومتها، استنادا إلى مقررات قمة بغداد، قرّرت قطع علاقاتها الدبلوماسية والسياسية مع مصر، اعتبارا من 23 أبريل 1979. وستتولى السفارة الماليزية في القاهرة رعاية المصالح الكويتية في مصر. ويضيف البيان أن قرار قطع العلاقات لا يؤثر بأي شكل من الأشكال في الروابط التاريخية والأخوية بين الكويت ومصر، وأن مصالح المواطنين المصريين العاملين في الأراضي الكويتية ستجد كل الرعاية والاحترام؛ سواء من جانب حكومة البلاد أو من جانب مواطنيها. كما أطلع مسؤول رفيع المستوى في وزارة المالية الكويتية السفير البريطاني على أن حكومة بلاده قررت أيضا وقف سائر مساعداتها المالية لمصر بأثر يتزامن مع قطع العلاقات. ويسري هذا القرار على كل أشكال الاستثمار (التجاري والصناعي والمالي والعقاري)، وأيضا على كل المساعدات المقدمة من «الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية» والهيئات الاستثمارية الحكومية الأخرى. لكن المسؤول أضاف أن بلاده لا تنوي تصفية استثماراتها القائمة في مصر.

ومن القاهرة يرسل السفير البريطاني، السير مايكل وير، تقريرا في اليوم التالي عن ردة الفعل المصرية إزاء القرار الكويتي والسعودي قطع العلاقات، يورد فيه أن القرارين السعودي والكويتي بقطع العلاقات الدبلوماسية مع القاهرة جاءا بمنزلة مفاجأة غير سارة للمسؤولين المصريين الذين التقيت بهم في اليومين الأخيرين. وبرغم اقتناع هؤلاء المسؤولين بأن كلّ المؤشرات كانت تنبئ بمضي الرياض والكويت على طريق تنفيذ مقررات قمة بغداد، فقد كانوا يتشبثون بأمل ألّا تصل الأمور إلى هذا الحدّ. وقد قال لي السفير الأميركي، في مجلس خاص جمعنا أمس، إنه أمضى أربع ساعات مساء أوّل من أمس، وهو يحاول إصلاح مزاج الرئيس المصري. وقال لي إن ردّة الفعل الفورية لدى تلقي السادات النبأ هي الغضب الذي كان سيدفع به إلى قطع العلاقات الاقتصادية، إضافة إلى الدبلوماسية مع الكويت، والمضي إلى حدّ الاستيلاء على سائر الأصول الكويتية في بلاده. وكان غضبه عارما إلى حدّ أن مستشاريه وجدوا صعوبة جمّة في تهدئته.

القاهرة تردّ

بيد أنه سيكون من الخطأ توّقع أن يدفع القراران الكويتي والسعودي الرئيس المصري إلى عكس مسار سياسته أو سعيه إلى التصالح، برغم أن مستشاريه يفضلون أن تلتزم مصر «الصمت الملتف بالكرامة». ومن الطبيعي أن تكون ردّة فعل السادات الغريزية هي تحدي كل ما يعتبره استفزازا عربيا جديدا. وهذا يعني أن خطر التصعيد، سواء مع الكويت أو السعودية، وارد وإن كان بعيدا. وعلى مستوى الشارع فعلى الأرجح أن يتعزز الاعتقاد السائد وسط المصريين تجاه النظام السعودي، وهو أنه «صاحب ثقافة بدوية لا يوثق بها». وقد خرجت صحيفة «الأهرام» بكاريكاتير يسخر من الرياض مع مقال عن «قصر الملك خالد الجديد الطائر». وتصدر الصحف أيضا نبأ اعتقال سوريين زُعم أنهما اعترفا بارتكاب عدد من الحوادث الإرهابية في القاهرة، بتوجيهات مباشرة من جهاز المخابرات في دمشق.

وتصل ردّة الفعل المصري إزاء الموقف العربي عموما ذروتها في خطاب ألقاه الرئيس السادات في الأوّل من مايو (آيار) 1979 ولخّصه السير مايكل وير في تقرير له إلى لندن اليوم التالي، قال فيه إنه في خطابه إلى نقابات العمال في ميناء سفاجة، شنّ الرئيس السادات هجوما لاذعا على أعمدة «جبهة الرفض». فوصف السوريين بأنهم «بعثيون مخادعون»، والقذافي بأنه «صبي ليبيا المعتوه». ثم انتقل إلى بقية خطابه الذي خصص جلّه لانتقاد موقف المملكة العربية السعودية. فقال إن العلاقات بين بلاده والمملكة كانت تتميز بقدر من الخصوصية لا تتميز بها علاقات مصر مع أي دولة عربية أخرى، باستثناء السودان. ومن هذا المنطلق، كما قال، فإن مصدر الألم بالنسبة إلى الشعب المصري هو أن السعوديين تصدروا الحملة العربية لمقاطعة بلاده. وفي سبيل ذلك، قال السادات إن السعودية «اشترت» بعض الأنظمة و«أخافت» أخرى. وأضاف أنها تصرفت على ذلك النحو بدافعين؛ أحدهما الخوف من «جبهة الرفض»، والثاني هو إثبات أنها تتمتع بدور قيادي في العالم العربي. لكن الأميركيين يعلمون أن هذا غير صحيح. وتساءل السادات: ماذا سيفعل هؤلاء القادة الجدد إذا هدّد العراق الكويت؟ وقال مجيبا عن سؤاله: لن يستطيع المال الخروج بهم من موقف كهذا. والواقع أن النظام العراقي هدّد الكويت بغزوها في حال لم تقطع علاقاتها مع مصر، وأمرها أيضا بوقف عونها لسلطنة عمان.

السادات يُصعد

ومضى السادات قائلا إن قطع الروابط مع الدول العربية لا يحمل أي أهمية في حدّ ذاته. فخسارة نحو 600 مليون دولار من المساعدات العربية لن تضر بمصر. ذلك أنها ستستعيد سيناء من إسرائيل في أكتوبر (تشرين الأول)، وبحلول العام 1982 سيكون الإنتاج النفطي المصري منها مليون برميل في اليوم. وأكد أنه لا يعلم ما إن كانت السعودية، بعد خطابه هذا، ستستمر في دفع تكاليف مقاتلات «إف 5»، لكن ذلك لا يهمه. وأضاف أن مساعدة مصر في شراء السلاح شيء، والتدخل في شؤونها الداخلية شيء آخر. واستدرك أنه إكراما للملك الراحل فيصل، الذي يكن له كل الإعجاب والتقدير، على عكس مشاعره نحو القيادة السعودية الراهنة، فإن بلاده ستغض النظر عما تفعله الرياض الآن، لكن على الدول أن تدرك أهمياتها النسبية.

وأعلن السادات في خطابه أنه لن ينكص عن السير على طريق عملية السلام التي بدأها، وسيمضي قدما في تطبيع العلاقات المصرية- الإسرائيلية. وقال إنه من أجل السلام فإن أي خطوة تخطوها إسرائيل على ذلك الطريق، ستقابلها مصر بخطوتين من جانبها. وقال الرئيس المصري إنه لن يتراجع عن سعيه إلى تأمين حقوق الفلسطينيين. لكن منظمة التحرير الفلسطينية، التي وصفها بأنها مؤلفة من خليط من الجماعات المتحاربة، لا تستطيع الادعاء بأنها معنية بالدفاع عن سكان الضفة الغربية وقطاع غزة. ولم يُدل السادات بالكثير في ما يتعلق بالأمور على صعيد الجبهة الداخلية. لكنه هاجم اليساريين وأولئك الحالمين بالنكوص عن الثورة والرجوع إلى العهد الملكي، ودعا إلى الحاجة الماسة للديمقراطية المسؤولة. ولم يدخر جهدا أيضا في الهجوم على المصريين من صحافيين وشيوعيين وأعضاء الجماعات المعارضة الأخرى الذين «باعوا ضمائرهم وأقلامهم للإعلام العربي في بغداد ولندن وباريس».

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق