الجمعة، 18 يونيو، 2010

خامنئي .. الذي غيرته السنين


خامنئي .. الذي غيرته السنين












ترجمة ــ سناء عبد الله
علي رضا اشراقي وياسامان باجي
طهران غالبا ما تعرض آية الله علي خامنئي، الذي عرف عنه فيما مضي بأنه رجل دين ذو عقل متفتح وتفكير تقدمي، إلي الانتقاد من العناصر المحافظة بسبب مخالفته قواعد المؤسسة الدينية المتعارف عليها. غير أن خامنئي تغيّر منذ أن تبوأ أعلي منصب في المرجعية السياسية والدينية العليا في إيران عام 1989، وصار يتخذ منهجا أصوليا متشددا ومحافظا.
لم تعد اليوم صورة خامنئي التي علقت بأذهان المعجبين به باقية علي النحو الذي يذكرها البعض قبل الثورة الإسلامية عام 1979 والسنوات الأولي التي أعقبت الثورة، التي اتسمت بالمواقف الثورية وبالخروج عن التقاليد القديمة. في هذا الصدد، كان خامنئي قد أثار دهشة البعض عندما كان يدخن غليونه اثناء قيامه بتفسير نصوص القرآن الكريم، الأمر الذي رآه البعض خرقا لكرامة المنصب. بيد أن خامنئي بدا مستمتعا بتلك التصرفات. في هذا الصدد، يروي رئيس أركان القوات الإيرانية، حسين فيروز آبادي، الذي كان قد التقي خامنئي قبل الثورة "أحببنا تلك الرائحة.. كان يجلس في المسجد، ويملأ غليونه بالتبغ، ويبدأ بالتدخين. وكان الجميع يقولون إن لرجال الدين حرمة عليهم مراعاتها (غير أنه لم يأبه لذلك)."
من بين رجال الدين الذين صعدوا إلي السلطة، ينظر إلي خامنئي بوصفه متمردا. رغم تاريخه في مقاومة نظام الشاه، حيث اعتقل سبع مرات خلال الستينات والسبعينات، فقد كانت طبيعته في الوقوف ضد قواعد المؤسسة الدينية المتعارف عليها وعلاقته الوطيدة بالمثقفين جعلت من ذلك النظام يمتنع عن أخذ مواقفه علي محمل الجد.
ورث خامنئي حبه للشعر والأدب في مرحلة مبكرة من حياته عن والدته التي كانت سيدة مثقفة حفظت أشعار الشاعر الفارسي الشهير حافظ. وقد دفعه حبه للأدب إلي ارتياد المكتبات العامة في مدينة مشهد، حيث تطورت صحبته بعدد من كبار الشعراء وأدباء المرحلة مثل مهدي أخوان ثالث وأمير فيروز خان، ومهرداد أوستا، ومحمد رضا شفيق قادقاني ومحمد مختاري. وكان خامنئي قد قال بأنه طلب من بعضهم نظم الشعر عن الثورة. وفيما استجاب أوستا لمطلبه، إلا أن أخوان ثالث رفض الطلب قائلا له "كنا دائما ضد السلطة ولم نكن معها".
وبعد مضي ثلاثة أعوام علي الثورة، أجبر مهدي اخوان ثالث علي التقاعد من الخدمة المدنية دون حصوله علي أية حقوق تقاعدية وعاش عيشة زاهدة لغاية وفاته عام 1990. لم يتعرض خامنئي إلي اخوان ثالث بالانتقاد مطلقا قائلا "علي عكس معاصريه، أخوان ثالث تميز بعدم محاربة الثورة". غير أن محمد مختاري، وهو شاعر آخر صاحب آية الله خامنئي في مشهد، لقي مصيرا مختلفا. فقد اختطف وقتل علي أيدي وكلاء المخابرات خلال سلسلة من أعمال القتل التي طاولت المثقفين الإيرانيين عام 1998. ولم يكشف عن ملابسات مقتل مختاري ولم يجلب منفذوها إلي العدالة، غير أن مناصريه أدركوا بشكل جلي بأن الوكلاء المزعومين المسؤولين عن الجريمة كانوا مقربين من آية الله خامنئي. من الناحية الرسمية، الجريمة ارتكبت من قبل عناصر مارقة داخل الجهاز الاستخباري لوزارة الاستخبارات الايرانية.
عندما ذهب خامنئي لمواصلة دراسته في مدارس قم الدينية، واصل حضور جلسات الشعر بل حتي نظم الشعر ونشره تحت اسم (أمين). ولم يكن أحد قد سمع بمثل هذا الأمر في مدارس قم الدينية المحافظة. بل قام بترجمة قصيدة الشاعر اللبناني ــ الأمريكي جبران خليل جبران (دمعة وابتسامة) إلي اللغة الفارسية عندما كان في قم لكنه لم ينشرها أبدا.

قارئ متعطش
كان لقصص القرآن التي روتها له والدته وقع كبير عليه دفعه إلي الاهتمام بالرواية. ولم تتمكن مكتبة رضوي في مشهد، التي لم تضم سوي كتب دينية، من إشباع تعطشه للقراءة مما دفعه إلي تخصيص جزء من دخله الشحيح لاستعارة الروايات من المكتبات الأهلية كل ليلة. وعن هذه القراءات، وصف خامنئي رواية (البؤساء) للروائي فكتور هيغو بأنها "أفضل رواية في جميع الأوقات". وكانت كتبه المفضلة تتضمن (الكوميديا الإلهية) لدانتي، و(الحرب والسلم) لليو تولستوي، و(النفس المسحورة) لرومان رولان، و(الدون الهادئ) لشولخوف.
وكانت الاعمال الادبية الفارسية الكلاسيكية مثل (ألف ليلة وليلة) ــ المحظورة حاليا في الجمهورية الاسلامية ــ من بين الكتب التي قرأها خامنئي في صباه.
قال خامنئي أيضاً إنه استمتع بقراءة أعمال الكاتب الوجودي جان بول سارتر، كتاب (عاصفة علي السكر) علي سبيل المثال. كما أعجب خامنئي باعمال عدد من الكتاب اليساريين مثل فرانز فانون سيما كتاباته النقدية بشان الاستعمار. إلي جانب ذلك، اعجب خامنئي بكتاب دورانت (متعة الفلسفة) الذي قال عنه: "هذا الكتاب يشبه الشعر، وأن دورانت يحوّل كتاب الفلسفة هذا للقارئ إلي طبق شهي حلو المذاق". وتشير تقارير متعددة بأن خامنئي حافظ علي عادته في القراءة، بل حتي قرأ للكاتب الأفغاني خالد حسيني (سباق الطائرات الورقية) الذي يتحدث فيه عن محنة الأفغانيين في ظل حكم حركة طالبان، واصفا الرواية بأنها عمل عظيم.
كان خامنئي قد تعرف إلي عدد من المثقفين الإيرانيين أثناء فترات اعتقاله قبيل الثورة الإيرانية. وكان أول اعتقال لخامنئي دام عشرة أيام عندما كان في الرابعة والعشرين من عمره، حيث اعتقل بسبب مناصرته لأية الله الخميني وإلقائه خطبا في المساجد وجلسات تفسير القرآن كرست للتحريض ضد نظام الشاه. وقد تضمنت الاعتقالات التي عاشها خامنئي فترة أمضاها في السجن الانفرادي كان وقعها عليه كبيرا.
في العام 1974، وضع خامنئي في زنزانة واحدة مع الصحفي اليساري هوشنك أسدي حيث دامت صداقتهما لحين اندلاع الثورة. يتحدث أسدي في مذكراته عن لقاءاته بخامنئي وشاب شيوعي آخر يدعي رحمن هاتفي. اصبح هاتفي فيما بعهد رئيسا لتحرير صحيفة كيهان واسعة الانتشار ولعب دورا هاما في دعم الثورة. لكنه اعتقل فيما بعد في عهد النظام الإسلامي وتوفي في السجن في ظروف غامضة.
ولا يختلط عادة الكثير من رجال الدين بالشيوعيين إذ يعتبر معظمهم الشيوعيين بأنهم أنجاس لانكارهم وجود الله. قال هوشنك أسدي في مذكراته: إن خامنئي كان يطعم رفيق زنزانته الشيوعي الذي كان مريضا. في الوقت الذي كان للشعر بعض الهواة من رجال الدين، فإنهم لم يرضوا أبدا علي قراءة الروايات. وربما بسبب هواياته وتصرفاته غير المعتادة، اطلق بعض رجال الدين في مدينة مشهد علي خامنئي لقب "الوهابي"، في إشارة إلي الجماعة المتطرفة لدي الطائفة السنية والتي تعد من ألد أعداء الشيعة. وينطوي هذا اللقب علي فهم مفاده أن خامنئي لم يعد من الشيعة أساسا.
وفيما كان يواصل دراسته في المدارس الدينية، تابع خامنئي تعليمه التقليدي في مدرسة مسائية وحصل علي شهادة الثانوية العامة. وفي هذا المنحي أيضا، برهن خامنئي انه مختلف عن سواه ممن نادرا ما تابعوا تعليمهم التقليدي.

حب الموسيقي
عرف عن خامنئي أيضا حبه للموسيقي. وكانت تربطه علاقة صداقة جيدة بعازف القيتار الشهير احمد عبادي، بل إن بعض جيرانه القدامي في مدينة مشهد يقولون إن لديه صوتاً جيداً. يقول احد الأساتذة في جامعة طهران إنه عندما زار خامنئي كلية الحقوق عام 1988، أيام كان رئيسا للبلاد، سأله أحد الطلبة عن الموقف من الموسيقي. أجاب خامنئي "إن الموسيقي في طبيعتها ليست حراما إلاّ إذا كانت مصحوبة بالخمر".
وعندما سأله أحد الطلبة عن كيفية التصرف في حالة عدم معرفة المستمع إن كان يستمع الي موسيقي حلال أم حرام، أجاب خامنئي: "عندما تكون في شك من أمرك ولا تعرف إن كانت حلالا أم حراما فعليك أن تستمع".
وبعد ثورة عام 1979 اصبح اداء الموسيقي، بل حتي الموسيقي الفارسية التقليدية، محرما لغاية عام 1988. ففي ذلك العام، اصدر المرجع الديني الأعلي في حينه، آية الله خميني، فتوي منحت الموافقة لبعض انواع الموسيقي. أما خامنئي فقد أفتي خلال السنوات الأخيرة الماضية بأن الموسيقي محللة عدا تلك الأغاني التي تعد كلماتها بذيئة.
غير أن رأيه هنا شهد تغييرا كذلك، ففي اجتماع مع الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي ووزرائه، انتقد خامنئي بشدة سياسة الحكومة في الترويج للموسيقي في الجامعات وأعلن بأن ذلك يتعارض مع الإسلام.
كما كان خامنئي من بين قلة من رجال الدين الذين أعاروا انتباها للتوجهات الرئيسية المعاصرة في الهند والعالم العربي قبل الثورة. وقد اصدر كتابا تناول دور المسلمين في استقلال الهند واعد بحثا غير منشور حول الادب الفارسي في الهند. كما قام بترجمة كتابين الي اللغة الفارسية من مؤلفات الباحث الاسلامي سيد قطب، وآخر للشيخ راضي آل ياسين بشان مفهوم السلم في فكر الامام الحسن عليه السلام.
ويعد الحسن عليه السلام ثاني أئمة الشيعة والشقيق الأكبر للامام الحسين عليه السلام ــ كلاهما كانا حفيدين للرسول محمد عليه الصلاة والسلام. أما الحسين فهو الامام الاكثر شعبية بين الطائفة الشيعية الايرانية، قتل بعد أن ثار علي الخليفة في ذلك العصر، فيما عقد الامام الحسن صلحا مع الخليفة ولم يسع الي تسلم مقاليد السلطة. اثناء الثورة الايرانية عام 1979، اعتبر معظم الايرانيين انفسهم اتباعا للامام الحسين في تمردهم علي الحكم الاستبدادي لتلك الحقبة، والذي تمثل في حالتهم بنظام الشاه. غير أن خامنئي كان قد قال إن "تطبيق رسالة السلام التي حملها الامام الحسن" كانت حلمه.
في العام 1984، وخلال قضية إيران ــ كونترا، شارك خامنئي، بصفته رئيسا للبلاد، في مفاوضات مع وفد أمريكي بمعية رئيس البرلمان في حينه هاشمي رفسنجاني من دون علم خميني. وزار الممثل الخاص للرئيس كلنتون، روبرت ماكفرلين، ايران لغرض التفاوض لاطلاق سراح الرهائن في لبنان مقابل حصول إيران علي السلاح.

تحدي قواعد المؤسسة الدينية
غير أن خميني الذي شعر بالغضب، أمر السلطات أن تخبر الشعب بشأن المفاوضات. وأصبح رفسنجاني كبش الفداء، فتحمل مسؤولية توضيح الأمر للإيرانيين خلال صلاة الجمعة.
رغم اعتبار نفسه تابعا لخميني، اظهر خامنئي تحديا للسلطة المطلقة لولاية الفقية العادل، وهي الاساس الديني لتشريع القوانين في البلاد والتي تجعل من المرشد الأعلي شخصا معصوما من الناحية العملية، وذلك في إحدي خطب الجمعة من العام 1987. غير أن خامنئي تراجع فيما بعد وبعث برسالة إلي خميني يعلن فيها موافقته علي فتاواه.
لكن بعد وفاة خميني، دعا خامئني إلي إحلال مجلس قيادة لإدارة البلاد، الأمر الذي عكس خشيته من السلطة المطلقة.
إلا أن هذه الفكرة أدينت مؤخرا علي لسان مصباح يزدي، وهو من أكبر مؤيدي خامنئي وأقرب أصدقائه من بين آيات الله، الذي قال أن مفهوم مجلس القيادة يحمل معان شيطانية وهو وليد الأيدلوجيات الغربية الفاسدة.
حالما حل خامنئي محل الخميني، تغيرت مفاهيمه وأصبحت أكثر تشددا وبدأ ينادي بالسلطة المطلقة للفقيه العادل، قائلا أن هذه السلطة تتقدم علي إرادة الشعب. ويختلف هذا الموقف تماما عن وجهة نظره التي عبر عنها عام 1982 عندما أعلن: "إن الشعب يأتي بالمرتبة الأعلي في البلاد.. فالشعب ينتخب المرشد الأعلي، وأن كل شيء في نهاية المطاف يرجع إلي الخيار الذي يقرره الشعب".
لقد تبني الرجلان موقفين متباينين بشأن الموقف من سلمان رشدي. كان خميني قد اصدر عام 1988 فتوي اعتبر فيها سلمان رشدي مرتدا ويجب قتله بسبب الإساءة التي وجهها إلي الرسول عليه الصلاة والسلام في كتابه (آيات شيطانية). وبعد ثلاثة أيام من صدور تلك الفتوي، أكد خامنئي في صلاة الجمعة: "إذا ما أعلن سلمان رشدي توبته، واعتذر لمسلمي العالم، فقد يغفر له الناس".
وبعد تلك الخطبة بيوم واحد، أصدر مكتب خميني بيانا قال فيه "حتي إذا ما تاب سلمان رشدي وأصبح أكثر الناس ورعا في زمانه، تبقي مسؤولية المسلمين أن يضحوا بحياتهم وأموالهم وأن يبذلوا جهودهم لارساله إلي جهنم".
بعد موت خميني في حزيران من عام 1989، وحل خامنئي محله كمرشد أعلي للبلاد، أعلن الأخير أن فتاوي سلفه مازالت نافذة. غير أنه، بعد بضع سنوات أبلغت الحكومة الإيرانية نظيرتها البريطانية علي نحو هادئ أن إيران لن ترسل أحدا لقتل سلمان رشدي. ويعتقد أغلب المحللين أن مثل ذلك الموقف لم يكن له أن يتخذ دون موافقة خامنئي. لم تكن هذه المرة الأولي التي يحاول فيها خامنئي الوقوف ضد تنفيذ قرارات قتل. ففي عام 1988، ذهب خامنئي إلي حسين علي منتظري، بوصفه نائب المرشد الأعلي، واخبره أن بعض الأشخاص يريدون الحصول علي موافقة خميني لإعدام 500 سجين شيوعي، مطالبا منتظري بالتحدث إلي خميني لمنع تنفيذ المجزرة.
بيدّ أن خامنئي نفسه الذي كان قد طالب بالعفو عن سلمان رشدي، أعلن في سنواته الأولي في السلطة بعد أن أصبح مرشدا أعلي للبلاد أن سعيدي سيرجاني، أستاذ الأدب في جامعة طهران، مرتدا وكافر. اعتقل سيرجاني بعد فترة وجيزة علي كتابته رسالة ينتقد فيها خامنئي وقتل عام 1993. أعلنت السلطات الإيرانية في بادئ الأمر أن وفاته جاءت بسبب إصابته بنوبة قلبية، لكنها عزت موته فيما بعد إلي عملاء في وزارة الاستخبارات الإيرانية.
وفقا لمصادر موثوقة، خلال احتجاجات الطلبة عام 1999، جلس خاتمي، الذي كان آنذاك رئيسا للبلاد، في مكتب خامنئي طيلة يوم كامل سعيا للحصول علي إلغاء لقرارات الإعدام التي صدرت بحق الطلبة، إلاّ أن خامنئي أصر علي إعدام أولئك الطلبة لكي يصبحوا درسا لآخرين.
تغير خامنئي تدريجيا. لقد تغير ذلك الرجل الذي أراد يوما عالما يتيح للشعراء أن ينظموا أشعارهم وقصائدهم، وللكتاب والمثقفين أن يمنحوا الفرصة للاعتذار عن أخطائهم، وللشيوعيين ألاّ يعدموا، وللشباب أن يستمعوا إلي الموسيقي.
يصعب القول إلي أي مدي تمتد جذور التحول في أفكار خامنئي، أو إلي أي حد ساهم موقعه كالرجل الأقوي نفوذا في البلاد في صياغة مفاهيمه الجديدة هذه. قال خامنئي مؤخرا أنه يتمني أن يتجول بحرية أمام المكتبات التي تقع أمام جامعة طهران، ذلك المكان الذي يعرف بأنه أبرز زوايا الثقافة في إيران. يبدو أنه يفتقد أيام صباه السعيدة، مما يوحي بأنه ليس سعيدا الآن.
اسم مستعار لصحفية إيرانية مقرها طهران

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق