السبت، 15 مايو، 2010

وثائق الارشيف البريطاني:عراق البعث.. والعزف على وتر الوحدة العربية

عراق البعث.. والعزف على وتر الوحدة العربية
صدام حسين برفقة الزعيم الليبي معمر القذافي
تواصل «أوان» نشر وثائق الأرشيف البريطاني المتعلقة بالكويت والمنطقة المحيطة بها في العام 1979، وما عرفته آنذاك من تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية كان لها دور كبير في رسم معالم المنطقة في الوقت الراهن. وقد دُوّنت هذه الوثائق منذ 30 سنة، ما جعلها مُتاحة للتداول العام، عملا بقانون حرية المعلومات البريطاني، مطلع العام الجاري.

وتتناول هذه الحلقة الجزء الثاني من التقرير الذي اختطه السفير البريطاني في بغداد، ايه جيه ستيرلينغ، لعناية ديفيد أوين، وزير خارجية بلاده بتاريخ 14 يناير (كانون الثاني) 1979 عن الحال العراقي خلال السنة السابقة. ويقع التقرير في صدارة الملف العراقي المصنف «FCO 8/3404».

العراق يعزل نفسه

وأكد السفير البريطاني أن العراق عزل نفسه على الصعيد الخارجي حتى مطلع الخريف، حين فتح القنوات مع ثلاث دول، الصومال سعيا لفرض الرعاية والوصاية، وفرنسا بقدر من الإزدراء، وكوبا رغم معارضته لتدخلها في أثيوبيا. أمّا التعامل مع الآخرين فقد تميز بشراسة بيّنة بما في ذلك دول تجمعه معها علاقات ودية رسميا على الأقل. واستمر العداء لدمشق، حتى أن القائم بالأعمال السوري أُستعجل في الرحيل إلى حدّ أنه تسوّل الطعام من السفارة الأردنية. وتواصلت الاشتباكات الدامية وإن كانت محدودة مع عناصر منظمة التحرير الفلسطينية خلال أغسطس (آب). ثم تغير كل هذا بحلول مطلع نوفمبر (تشرين الثاني)، حين وقع الرئيسان العراقي والسوري ميثاقا وطنيا يهدف لوحدة البلدين. ومدت يد الترحاب لمنظمة التحرير، ثم عقدت بغداد قمة عربية كانت مصر هي الوحيدة الغائبة عنها. وحرص العراق، بدءا من الرئيس البكر، على إظهار نفسه بصورة المدافع عن المصالح العربية والساعي لتجاوز الخلافات في الصف العربي بمواجهة إسرائيل.

توتر مع سورية

وقد قيل في مكان ما إن النظام العراقي صار معتدلا، هذا محض هراء! إذ على الرغم من أن النظام العراقي أسكت منذ أكتوبر (تشرين الأوّل) صوت عدائه للجميع، فلا شيء يدل فعلا على أنه تخلى عن هذه المشاعر. فهو لايزال يرفض القرارين 242 و338 والتسوية مع إسرائيل، ولازالت إذاعته «صوت فلسطين» تهاجم منظمة التحرير الفلسطينية والأردن، ولم يتوصل بعد لاتفاق اقتصادي مع سورية، فضلا عن ترتيبات سياسية معها.

وبحسب المسؤول البريطاني، قد يتغير هذا الحال في المستقبل، لكنه يرى أنه من الحكمة الحكم على العراق بالسنوات العشر السابقة لمنتصف 1978، بدلا عن الحكم عليه بالأشهر الثلاثة الماضية. فالريبة والمزاج العكر خصلتان متأصلتان في العراق، ففيما عدا عهود الإمبراطورية العثمانية، ظلّ حكام سورية والعراق على طرفي نقيض. وهذا لا يعني أن نظام بغداد الحالي عاجز عن حفظ السلام الحدودي مع جيران مثل إيران وتركيا مثلما فعل في السنوات الأربع الأخيرة، أو أنه ليس مخلصا في السعي للوحدة مع سورية. لكن هناك هوسا عراقيا بأن إعلان مثل هذه الوحدة، لابدّ أن يحمل في طياته عبارة «ولكن بشروطي». وإلى حين يثبت أن نظام بغداد أكثر اعتدالا أو أن النظام السوري أكثر انصياعا، يتعين النظر بعين الريبة العميقة إلى مقولة إن شراكتهما تمثل أساسا متينا لتركيبة سياسية عربية جديدة.

البعث يشتري حلفاء

بيد أن السؤال الآن لا يتعلق بمدى رغبة العراق في علاقات طيبة مع جيرانه وبقية العرب، وإنما بمدى المخاوف التي تدفعه حاليا لمحاولة التخلي عن تعنته المألوف. وهذه المخاوف، وليس الحلم بالوحدة العربية، هي السبب في موقف نظام بغداد الآن. فقد أدرك أن انقضاضه الشرس على الشيوعيين وعدائه لمنظمة التحرير وتدهور علاقاته مع بريطانيا، ما هي إلّا عوامل تؤكد له عزلته في العالم. واستمرار النظام في اعتقال المواطنين الشيوعيين والأجانب المسيحيين، مثل المهندس البريطاني فرينش، يظهر خوفه من بعبع التخريب. وهذا شعور تعمّق بعد الانقلاب في كل من كابول وعدن، وعلى وجه الخصوص مع الأحداث الأخيرة في إيران.

العراق، إذن، بحاجة للكثير مما يفتقر إليه من طمأنينة. ولذا كان تحركه نحو العرب، وتكثيفه اتصالاته بالاتحاد السوفييتي، واهتمامه بالعلاقات مع الغرب وخاصة فرنسا. ومع كل هذا وفي الوقت نفسه فهو لم يغير أسلوبه القديم بشكل جذري. وعلى سبيل المثال فإن زيارة صدام حسين موسكو المصاحبة بقدر كبير من الدعاية لا تحمل أي التزامات جديدة نحو الاتحاد السوفييتي، مثلما أن قرار رفع المقاطعة عن ألمانيا الغربية لا يعني خطوة حاسمة باتجاه أوروبا. وما يهدف إليه العراق، والحال هكذا، هو البعد عن الالتزامات وتشابك الخيوط قدر المستطاع والحفاظ بالتالي على أكبر قدر ممكن من الخيارات المتاحة أمامه.

مُعاداة بريطانيا

بالنسبة لبريطانيا، فقد كان 1978 عاما سيئا. فصادراتها، وهي السبب الرئيسي لسعيها إلى علاقات حسنة مع العراق والتي زادت حجما بنسبة 30 في المئة في أشهر العام عدا ديسمبر (كانون الأول)، مُنيت بأضرار جد خطيرة. وقد أصاب بريطانيا أيضا قدر عال من المعاناة الإنسانية، فهي لاتزال عاجزة عن تقديم أي مساعدة لسجينيها في العراق، فرينش وسباركس. بالإضافة إلى أن طاقم العاملين في السفارة البريطانية في بغداد، لايزال يبذل جهدا مضاعفا، في ظلّ ظروف قاسية وتهديدات متواصلة على مدى شهور في ظل الأزمة القائمة بين العراق ولندن.

غير أن كلّ هذا لم يمنع السفير البريطاني من التأكيد من أن إصلاح العلاقات مع نظام بغداد يقع في دائرة الواجب والممكن. صحيح أن أفعال النظام تشي بعدم صدق نواياه في تطبيع العلاقات مع بريطانيا، على أن مصالح لندن التجارية تفرض عليها الاستمرار في تحمّل هذا النظام. وبوسعها، بالصبر والمثابرة وشيء من حسن الحظ، استرجاع حصتها في السوق العراقية التي يمكن وصفها بأنها بين الأهم في عموم الشرق الأوسط.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق