الثلاثاء، 9 نوفمبر، 2010

ظلُّ جمال عبد الناصر يعود مع ذكرى رحيله الأربعين

كيف تحدّث عنه محمود درويش ونزار قباني والفيتوري والمقالح وعبد الصبور؟

ظلُّ جمال عبد الناصر يعود مع ذكرى رحيله الأربعين



القاهرة - محمد الصادق

مرَّت 40 عاماً على رحيل الزعيم جمال عبد الناصر، ولا يزال يشغل بال الجميع من أرباب الأسر البسيطة حتى نخبة المجتمع،
ولاتزال صوره ولافتاته وشعاراته حاضرة بقوة ترفعها حركات التغيير والقوى السياسية في التظاهرات وحركات الاحتجاج الاجتماعي، حتى الذين يناصبونه العداء من مؤيدي حركات التوريث الداعين إلى ترشّح نجل الرئيس حسني مبارك لرئاسة الجمهورية، فقد اقتبسوا هتاف «يا جمال يا حبيب الملايين» وأسقطوه على جمال مبارك في حملتهم الدعائية، ذلك استدعاء إلى الهتاف الشهير في وداع ناصر منذ 40 عاماً «الوداع يا حبيب الملايين».
جملة «يا حبيب الملايين» التي ترسَّخت في الوجدان العربي لا تزال تدوي في الأذهان، فقد كرَّستها قصائد الشعراء والأغاني والأفلام السينمائية والدراما التلفزيونية. ولا تزال سيرة الزعيم محلَّ استلهام مبدعين كثر، حتى أن البعض وصفه بالأسطورة وأنه كان نتاجاً اجتماعياً لإحدى أخصب المراحل التاريخية التي شهدت الإنجازات العظيمة والانكسارات العظيمة أيضاً. واتفق مثقفون كثر على أن شخصية جمال عبد الناصر فجَّرت إلهام الأدباء والشعراء بمنجزاتها وظروف وجودها ورحيلها المفاجئ، ما جعلها محصلة أحلام بطولية خارقة، مؤكدين أن الثورة استطاعت منذ ولادتها، تشكيل مناخ اجتماعي مثير لعوامل الإبداع الإنساني في جميع المجالات.
انطلقت مع بداية الثورة شرارة الإبداع الفني والفكري في عدد هائل من الشباب المثقّف الصاعد من قرى مصر والزاحف نحو القاهرة والإسكندرية، فإذا بمئات ومئات المبدعين تتصاعد نجومهم في سماء مصر حاملين رايات ملوّنة زاهية لأعمال جديدة مدهشة في كل مناحي الإبداع.
وصف الشاعر الراحل صلاح عبد الصبور مولد عبد الناصر كمولد أبطال التراجيديات في الأساطير القديمة، وعند وفاته كتب قصيدة «الحلم والأغنية»، قال فيها:
لا لم يمت...
هل مات من وهب الحياة حياته؟
حقاً! أماتْ؟
ماذا سنفعل دونه
ماذا سنفعل بعده
وكتب عنه الشاعر محمود حسن إسماعيل ديواناً كاملاً، جاء فيه:
«سمع الملايين ما زال يصغى لصوته ويجهش بالدمع حين يرى بصمته على خطوة الكادحين وفي نظرة الشرفاء وفي كل فأس بكف السنين وفي كل صفصافة كفكفت بأوراقها أدمع المتعبين حيارى التراحيل، أهل المعاول والدمع، أهل الأنين وفي قبضة الزاحفين وفي صيحة الثائرين...».
وكان الشاعرالفلسطيني محمود درويش يعتبر عبد الناصر سنداً له، فكتب بعد وفاته:
«أبكيك يا جمال في ما تبقى من تراب وطني ومن دماء عزوتي ومن بيوت بلدي وهي تصيح من قرار جرحها وعارها «ولو! لن تتركني يا سندي» أبكيك... لكنني تعلمت... إلى الأبناء والأحفاد كيف يكون الصبر والجهاد وكيف تحمي مصارع الرجال شرف الرجال».
وذكر في قصيدته «الرجل ذو الظل الأخضر»:
... ولكن ظلك أخضر... نعيش معك
نسير معك
نجوع معك
وحين تموت
نحاول ألا نموت معك
ففوق ضريحك ينبت قمح جديد
وينزل ماء جديد
وأنت ترانا
نسير
نسير
نسير .
كذلك كتب الشاعر الفلسطيني معين بسيسو في قصيدة بعنوان «رسالة في زجاجة إلى جمال عبد الناصر»:
سقط شهيـداً
كي يستبدل أحـد الفقراء
رغيفاً بجريـدةْ
كي نكتب نحن الشعـراء التعساء
قصـيدةْ...
الاسـم: وطن...
يمضـي الزمـن
ونحن نلقي زهـرة على اسمه
وزهرة على الوطـن...
وقال الشاعر السوداني محمد الفيتوري في قصيدة بعنوان «القادم عند الفجر»:
الآن وأنت مسجى...
أنت العاصفة، الرؤيا، التاريخ، الأوسمة، الرايات،...
الآن وأنت تنام عميقاً، تسكن في جنبيك الثورة،
ترتد الخطوات...
تعود الخيل، مطأطئة من رحلتها، مغرورقة النظرات...
الآن يقيم الموت سرادقه العالي...
يتدفق كالأمطار على كل الساحات...
الآن يكون الحزن عليك عظيماً... والمأساة...
تدوس على جثث الكلمات...
الآن وهم يبكون كأن ملايين الأرحام...
ولدتك...
وأنك عشت ملايين الأعوام...
وكأن اسم البطل المنحوت على حجر الأهرام...
اسمك...
بدوره، كتب الشاعر أحمد فؤاد نجم:
السكة مفروشة تيجان الفل والنرجس
والقبة صهوة فرس عليها الخضر بيبرجس
والمشربية عرايس بتبكي والبكى مشروع
***
من ذا اللي نايم وساكت
والسكات مسموع
سيدنا الحسين؟
ولا صلاح الدين ولا النبي
ولا الإمام؟
دستور يا حراس المقام ولا الكلام بالشكل دا ممنوع؟
أما الشاعر الكبير نزار قباني، الذي كان أصدر ديواناً في عام 1968 ينتقد فيه النظام الناصري والرئيس جمال عبد الناصر، ويحمِّلهما أسباب نكسة 1967... فكتب بعد رحيل الزعيم قصائد عدة يُرثيه فيها، من بينها قصيدة «رثاء عبد الناصر» وقصيدة بعنوان «الهرم الرابع» يقول فيها:
السيدُ نامْ
السيدُ نام
السيدُ نامَ كنومِ السيفِ العائدِ من إحدى الغزواتْ
السيدُ يرقدُ مثلَ الطفلِ الغافي... في حُضنِ الغاباتْ
السيدُ نامَ...
وكيفَ أصدِّقُ أنَّ الهرمَ الرابعَ ماتْ؟
وكتب عنه الشاعر اليمني عبد العزيز المقالح أثناء زيارة إلى ضريحه:
هنا ينام متعباً
من أتعب الأيام والفصول
من عبرت خيوله فوق جبين الشمس والزمن
فما ونى ولا وهن
حتى ونت من تحته الخيول
واستسلمت لراحة الكفن
فآثر القفول
ونام موهن البدن
***
من أيقظ العيون
...هنا
ينام متعب الجفون
يشرح الشاعر فاروق شوشة حالة الامتزاج والتوحّد مع عبد الناصر ومع أحلامه حتى بعد وفاته، بأن الزعيم «كان رمزاً كبيراً وكان للجميع حبة القمح وجلباب الشتاء ويد الرحمة، راح ناصر وراحت الثورة وبقي منها أفكار غرستها في نفوس الشعب، ولنذكر جنازة عبد الناصر التي لم يشهد لها العالم مثيلاً والتي كانت أحد أشكال التقدير لهذا الزعيم ومبادئه».
وعلّق الأديب بهاء طاهر: «اقتنعت وحملت مبادئ عبد الناصر والثورة منذ أن كنت طالباً، وكنت مثل الطلبة كلهم آنذاك. وأتذكر أن مدرسة السعيدية الثانوية التي تشرفت بالانتماء إليها كانت أول المدارس التي طالبت بخروج الملك من مصر، وحين قامت ثورة يوليو أطلقت ملكات الناس ومواهبهم... نحن الآن في أشد الحاجة إلى استلهام صمود عبد الناصر وصلابته وبعد نظره في مواجهة التحديات والأزمات التي تحيط بنا داخلياً وخارجياً، فقد كان حلمه استقلال الوطن العربي وتنميته لأجل مصالح الشعوب العربية جمعاء».

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق