الثلاثاء، 9 نوفمبر، 2010

هتلر والألمان: أمّة وجريمة... بورتريهات الزعيم النازي في برلين للمرة الأولى

هتلر والألمان: أمّة وجريمة...
بورتريهات الزعيم النازي في برلين للمرة الأولى




فرانك هورنيغ، ومايكل سونثيمر


افتتح أخيراً «متحف التاريخ الألماني» في برلين أول معرض شامل حول الزعيم النازي أودلف هتلر، منذ الحرب العالمية الثانية. رغم القائمين عليه حاولوا عدم الإشادة بهتلر، فأنهم قلقون من أن يجذب المعرض النازيين الجدد ويثير غضب المعارضين وانتقاداتهم.
لن يُعرض في المتحف بورتريه الزعيم النازي الذي يعود الى عام 1939، والموجود راهناً ضمن مقتنيات الجيش الأميركي, إذ يبدو هتلر فيه زعيماً ملهماً كما يراه النازيون والفنانون الذين يحبونه.
يقول هانز ألوريتش تامر، المؤتمن على متحف التاريخ الألماني: «كان بوسعنا الحصول على هذا البورتريه». لن يمانع الجيش الأميركي في إعارة هذه اللوحة، لكن لم يرغب تامر في ذلك، إذ لا يريد أن ينبهر الألمان بهذا النوع من الفن التاريخي الذي كان مهيمناً خلال فترة الرايخ الثالث. سيشاهد الزائرون كثيراً من صور الفوهرر وبورتريهاته التي «لا تهدف الى إبراز صورة الزعيم الألماني أو تمجيده».
ينطوي المعرض على بعض المخاطر، إذ يخشى منظّموه أن يثني متطرفون من جناح اليمين على الأعمال المعروضة، ما يثير ردود فعل مندّدة من بقية المعارضين في البلد. من هنا، يحرص القيّمون على المتحف على حذف أيّ مديح يُظهر هتلر كبطل تاريخي. ويضيف تامر الذي عمل على تطوير هذا المعرض: «لن نقدّم أيّ صورة لهتلر تسمح للشعب بالتعاطف معه».
نُظّمت معارض لا تحصى في ألمانيا حول الرايخ الثالث، فتناولت تحديداً: المحرقة، الجرائم التي ارتكبها الجيش الألماني، نظام العدالة النازي، الطب في الرايخ الثالث، الأعمال الشاقة، معسكرات الاعتقال النازيّة، إضافة الى أمور وحشيّة أخرى. لكن إلى الآن تفادى المؤتمنون على المتاحف والسياسيون المسؤولون عن الشؤون الثقافية التطرّق مباشرة الى صورة هتلر، أي الشخص الذي أمر بتنفيذ هذه الجرائم المروّعة.
يأتي هذا المعرض بعد سنين تغيّرت فيها صورة هتلر بطريقة ملحوظة، إذ ألقى فيلم «سقوط هتلر» Downfall الضوء على وجه القائد النازي الإنساني والمشاعر التي رافقت لحظات الهزيمة الأخيرة في برلين، فيما ظهر هتلر بصورة هزليّة في فيلم «قائدي» Mein Führer حيث جسّد شخصيّته الممثل الألماني هيلغي شنايدر.
في هذا الإطار، لا بد من الإشارة إلى أن كلّ بورتريه للزعيم النازي رافقه جدل ما. مثلاً: هل من المناسب عرض تمثال من الشمع لهتلر الى جانب تمثال العارضة الألمانيّة العالميّة هايدي كلوم في متحف الشمع في برلين؟ علماً أن أحد السياح فصل رأس هذا التمثال عن جسمه، ومنذ ذلك الحين، وبعد إصلاحه، وُضع التمثال خلف زجاج مضادّ للرصاص.
أثار اسم المعرض أيضاً جدلاً واسعاً، إذ رفضت لجنة علميّة تضمّ مؤرخين بارزين، من بينهم المحافظ مايكل ستورمر، اسم «هتلر» عندما أثار مسؤولون في المتحف فكرة تنظيم المعرض للمرة الأولى عام 2004. ولأن المسؤولين عن المعرض أرادوا تجنّب إعادة إنعاش اعتقاد ساد بعد الحرب العالمية الثانية يقول إن هتلر قائد قوي التأثير وشرير ينساق وراءه شعبٌ بريء، حمل المعرض اسم «هتلر والألمان: أمّة وجريمة».
إجراءات وقائيّة
اليوم، لم يعد الجدل مثاراً حول ما إذا كان هتلر يمثل نظرة غالبية الألمان، أقلّه حتى سنة 1941، أو أنّ الألمان رأوا أنفسهم من خلال الفوهرر. ويقول تامر، الأستاذ في مادة التاريخ في جامعة Münster: «تغدو صورتنا عن المجتمع الألماني مظلمة أكثر فأكثر»، مشيراً إلى الأبحاث الراهنة التي تتناول هذه المسألة.
بالعودة إلى تنظيم المعرض، يتّبع الأخير قواعد تختلف عن تلك المعتمدة في النهج الأكاديميّ. وأبدى المؤتمنون عليه حذراً كبيراً لدى اختيارهم المعروضات، فلم تشمل بذلات هتلر ومقتنياته الشخصيّة التي بقيت في موسكو. يذكر تامر في هذا الصدد: «يشكّل عرض هذه التذكارات تجاوزاً للخط الأحمر الذي يجعل من هتلر بطلاً تجب الإشادة به». بينما تكمن النية هنا في الحفاظ على حدود واضحة بين المشاهد والمجرم الأبرز في القرن العشرين.
عند دخول المتحف، تستقبلكم ثلاثة بورتريهات تصوّر هتلر كناشط في الحزب النازي ورجل سياسة، إضافة الى صورة جمجمة. وتعرض خلف هذه الصور التي تظهرعلى شاشة شفافة صور أشخاص عاطلين عن العمل وحشد من مؤيدين للنازية وجنود يمرون أمام أحد المنازل المحترقة، كجزء من الجهد الدائم لعرض الزعيم النازي في سياق الأحداث محاطاً بالإطار السياسي والاجتماعي والعسكري.
إضافة الى ذلك، يقدّم المعرض كتيّباً من سجلات تاريخيّة تشمل وجهات نظر المؤرخين حول «تقدّم النازية» و{صنع أيقونة للأمة» و{النساء في المجتمع أثناء الحرب»، فضلاً عن مواضيع أخرى مرتبطة بهتلر.
تقوم فكرة المعرض على سيرة هتلر الذاتية بقلم الكاتب البريطاني آيان كيرشو الذي يصف علاقة مناصري هتلر بقائدهم بالعلاقة التي تربطهم بالمخلص. وجاء في خطاب ألقاه هتلر في نورمبرغ عام 1936 أمام جمهور من 140 ألف من مناصريه المتحمسين: «إنها معجزة هذا العصر أن تجدوني بين هذه الملايين من البشر، وإنها فرصة لألمانيا أن أجدكم».
يعتمد كيرشو على جملة جاءت على لسان وزير خارجيّة نازي: على كلّ ألمانيّ أن «يعمل مع الفوهرر لتحقيق أهدافه»، وذلك ليشرح تفكير الدكتاتور النازي الداخليّ من جهةٍ والجرائم التي ارتكبها شعب تصرّف وفق مبادرته الخاصّة أحياناً، من جهةٍ أخرى.
كذلك، يتضمّن المعرض أدلّة تدعم وجهة نظر كيرشو، أبرزها سجادة حاكتها نساء من مدينة روتنبرغ تظهر وحدة شباب هتلر ووحدات النخبة النازية وفرق النساء في الحزب النازي SA يسيرون نحو كنيسة وهم متوزّعون على شكل صليب. شاهد تامر المولود في المدينة نفسها هذه السجادة صدفة خلال زيارة قام بها إلى المنطقة.
كأنها مواد فاسقة أو أفلام إيباحية يخشى المؤتمنون على المتحف عرضها، وُضعت مذكرات هتلر المعروضة في علب زجاجيّة صغيرة، أبرزها كتاب يحتوي على صور التقطها مصوّر هتلر المفضّل هنرتش هوفمان بعنوان «هتلر كما لم يعرفه أحد»، إضافة الى أوراق لعب تحمل صور الفوهرر ورودولف هيس وقادة نازيين آخرين، وحتى الخزانة التي تحتوي على كتب هتلر عُلقت بدلاً من وضعها ببساطة على الأرض، فيما عُلقت لوحة زيتيّة تمجّد الأمة خلال الحرب بطريقة غير صحيحة على الحائط.
ويقول سايمون أربل الذي ساهم في تحضير المعرض الى جانب تامر، {تكمن أهم رسالة لزائري هذا المعرض في أننا لن ننتهي من هتلر قبل فترة طويلة من الزمن، على كلّ جيل أن يجد إيجاباته الخاصة بهذا الموضوع».
متحف في التاريخ
في الغرفة الأخيرة من المعرض، صفحة 46 من مجلة «دير شبيغل» مخصّصة لهتلر والوطنيّة الاشتراكيّة، فضلاً عن يوميات هتلر المزيّفة التي نشرتها مجلة Stern. تعكس هذه المقالات تغيّر وجهات النظر خلال التاريخ (بدءاً من المقال الأول Anatomy of a Dictator - 1964، وصولاً الى أحدث مقال The Accomplices - 2009).
لا يسلّط المعرض الضوء، في المعلومات التي يقدّمها، على مبنى ترسانة برلين السابقة في جادة Unter den Linden، ولا على مبنى في ساحة قرب دار الأوبرا State Opera حيث حرقت حركة نازيّة الكتب «غير الألمانية» عام 1933. فضلاً عن ذلك، كانت تقام التجمعات في حديقة Lustgarten المجاورة وتُرفع الأعلام المناصرة للنازية خلال الاحتفالات الشعبيّة.
لا يأتي معرض «هتلر والألمان» على ذكر هذه الأحداث، حتى أنه يغفل عن التحدّث عن اليوم التاريخي الذي شهده مبنى ترسانة برلين، عندما جاء هتلر إليه لمشاهدة معرض للأسلحة السوفياتيّة يوم إحياء ذكرى الأبطال في 21 مارس (آذار) عام 1943، والذي كان يعتبر عيداً رسمياً في ألمانيا النازية. حضر مسؤول يدعى رودولف كريستوف فون غيردورف الاحتفال أيضاً مخططاً لاغتيال هتلر وهو يحمل عبوتين ناسفتين.
بعد أن شغّل فون غيردورف العبوتين، غادر هتلر المبنى فجأة بوقت أسرع من المتوقع، فهرع غيردورف الى الحمام وتمكّن من إبطال العبوتين قبل أن تنفجرا.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق